الشيخ السبحاني

485

بحوث في الملل والنحل

ولو شاء لفعل كما قال عزّ وجلّ : « وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً » [ يونس : 99 ] يريد به مشيئة الإجبار لا مشيئة الاختيار ، لأنّه لو أكرههم لم يكونوا مكلّفين ، ولَبَطل الغرض ببعثة المرسلين . فصل [ في أنّ اللَّه لا يعذب أحداً إلّا بذنبه ] فإن قيل : ربّك يعذب أحداً بغير ذنبه ؟ فقل : لا يعذب أحداً إلّا بذنبه ؛ لأنّ عقاب من لا ذنب له ظلم ، والظلم قبيح ، وهو تعالى لا يفعل القبيح ، وقد قال تعالى : « وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى » [ الأنعام : 164 ] . فصل [ في أنّ اللَّه لا يقضي إلّا بالحق ] « 1 » فإن قيل : أربك يقضي بغير الحق ؟ فقل : كلّا ، بل لا يقضي بالكفر والفساد ، لما في ذلك من مخالفة الحكمة والسداد ، لقوله تعالى : « وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ » [ غافر : 20 ] ، فلا يجوز القول بأنّ المعاصي بقضاء اللَّه تعالى وقَدَره بمعنى الخلق والأمر ، لأنّها باطلٌ ، ولأنّ إجماع المسلمين منعقدٌ على أنّ الرضى بالمعاصي لا يجوز ، وإجماعهم منعقد على أنّ الرضا بقضاء اللَّه واجب ، ولا مخلص إذاً من ذلك إلّا بالقول بأنّ المعاصي ليست بقضاء

--> ( 1 ) . العنوان حسن جداً ، لكن إخراج المعاصي عن مجال قضائه وإرادته سبحانه يستلزم التفويض الممقوت ، فالحق أنّ كل ما يوجد في الكون من حسن وجميل ، وإيمان وكفر ، وطاعة وعصيان ، ليس خارجاً عن قضائه وعلمه وإرادته لكن على وجه لا يستلزم الجبر ولا يسلب الاختيار . والتفصيل يطلب من محله .